أخبار عاجلة

وصية الشهيد الدكتور مصطفى شمران إلى الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة عشق إلى الإمام موسى الصدر

وصية الشهيد الدكتور مصطفى شمران
إلى الإمام المغيّب السيّد موسى الصدر
المظلوم والمجهول والمهجور

أوصي…
إنساناً أحبّه بشكل بالغ يتجاوز كلّ حدّ.
معشوقي الإمام موسى الصدر.

أوصي…
إنساناً يجسّد نموذج الإمام علي (ع) ووارث الحسين (ع).
إنساناً يمثّل رمز الطائفة الشيعية في لبنان وفخرها وحامل أعباء 1400 سنة من الحزن والعذاب والحرمان والتمسّك بالحق والصلابة والجهاد والشهادة.

نعم أوصي الإمام موسى الصدر
لقد جهّزت نفسي للرحيل والشهادة، وهذا أمر طبيعي، وأنا مستعدّ لهذه اللحظة منذ مدة طويلة، لكنّني أوصي لأوّل مرّة.

أنا مسرور…
للوصول إلى الشهادة في هذا الطريق.

أنا مسرور…
لقطع العلاقة مع الدنيا وما فيها.
لطلاق كلّ شيء.
لدهس الروابط مع الدنيا بقدمَيّ.
لكسر القيود والأغلال.
لطلاق الدنيا وما فيها ثلاثاً.
للذهاب بصدر رحب لاستقبال الشهادة.

لست نادماً…
على ذهابي إلى لبنان والحياة في معترك الشدائد على مدار ست سنوات.
على تركي لأمريكا.
على عزوفي عن لذات الدنيا ورفاهيتها.
على نسياني لدنيا العلم.
على تركي لكلّ الذكريات الجميلة مع زوجتي العزيزة وأبنائي الأحبّة فلذة كبدي.
هجرت دنيا الرأسماليين والمستكبرين والتحقت برحاب المحرومين.
تخلّيت عن الراحة ودنيا المادة والرفاهية، وأسرعت إلى رحاب العذاب والحرمان والحزن والتواضع والفقر والوحدة والاتهام.
رافقت المحرومين وعشت معهم، ورحت أصرخ مع المظلومين، وأقضي الليالي حتى الصباح إلى جانب أيتام الشيعة في جنوب لبنان.
ومع كل هذه الظروف لست نادماً…

يا محبوبي…
لقد شرّعتَ لي مجالاً جديداً حتى يمتحنني الله العظيم بشكل أفضل وأكثر.
لقد منحتني فرصة ثمينة حتى أتحوّل إلى فراشة، حتى أحترق، حتى أصل إلى النور، حتى أتذوّق طعم العشق، حتى أفجّر قدراتي الإنسانية التي قلّ نظيرها.
حتى أجول في لبنان من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، وأنشر القيَم الإلهية أمام جميع الناس، وأعرض نهجاً جديداً إلهياً وقوياً.
حتى أتحوّل إلى مظهر للعشق، أتحوّل إلى نور، أنفصل عن جسمي، أذوب في المجتمع، فلا أرى وجودي ولا أرى نفسي، لا أرى سوى محبوبي، لا أسلك إلاّ درب العشق والتضحية.
حتى أصبح عارفاً بالموت وصديقاً له، وأتحرّر من كافة الأغلال والقيود المادية.

يا محبوبي…
يا رمز الطائفة…
تحمل على كاهلك عذاب واضطهاد 1400 سنة.
تتلقى الإساءة والاتهام واللعن.
تواجه بروحك الأبيّة الأحقاد القديمة والعداوة التاريخية والنقمة والحسد الذي يحرق الكون.
تضحّي ولا تبالي بكلّ ما عندك، وتقدّم حياتك ووجودك من أجل القيَم والمجتمع الإنساني، وأعداؤك يقابلونك بالشتائم والإهانات والخيانة.
يتّهمونك ويكذّبونك ويحرّضون الناس الجاهلين عليك، وأنت أيها الإمام لا تنحرف لحظة واحدة عن الحق، ولا تبادلهم بالمِثل، وتتقدّم كالجبل مقابل أمواج الأحداث بكلّ طمأنينة وثقة نحو الحق والحقيقة والكمال.
ولذلك، أنت ممثّل علي (ع) ووارث الحسين (ع).

وأنا…
أشعر بالاعتزاز لأنّني على نهجك أجاهد.
أشعر بالفخر لأنّني على دربك أتذوّق وأتلذّذ بشراب الشهادة.

يا محبوبي…
في النهاية لم تعرفني!
لأنّ الحياء منعني من أن:
أعرّفك على نفسي.
أتحدث عن العشق.
أعبّر عن حرقة ولوعة أعماقي الداخلية الملتهبة.

أمّا أنا…
أنا الذي أوصي…
أنا الذي أحبّك…
لست إنساناً بسيطاً، أنا أعبد وأعشق الله، أنا أمثّل الحق ومصداق التواضع والحيوية والمقاومة والتضحية والفداء.
إنّ بركان وجودي يكفي ليحرق كلّ دنيا.
إنّ لهيب عشقي بلغ حداً بمقدوره تحويل كلّ قلب متحجّر إلى دموع.
إنّ تضحيتي وصلت إلى مستوى قلّما وصل إليه إنسان في هذه الحياة.

أصبحتُ أتميّز بخصال ثلاثة:
العشق:
الذي يفوح من كلامي ونظراتي، من يديّ وحركاتي، من حياتي ومماتي.
أشتعل بنار العشق ولا أعرف غير العشق هدفاً للحياة.
لا أريد في حياتي إلاّ العشق ولا أعيش إلاّ في العشق.
الفقر:
الذي حرّرني من أغلال كلّ شيء، وأصبحت غير محتاج، ولو عرضوا عليّ السماء والأرض لا أتأثّر.
الوحدة:
التي وَصَلَتني بالعرفان وعَرّفَتني على الحرمان.
الإنسان الذي يرغب في العشق يشتعل في عالم الوحدة، ولا يمكن لأحد غير الله تعالى أن يكون أنيسه في الليالي الموحشة، ولا يمكن أن يمسح دموعه إلاّ النجوم، ولا يمكن أن يسمع ابتهاله ومناجاته إلاّ الجبال الشامخة، ولا يمكن أن يشعر باستغاثته عند الفجر إلاّ طائر السَحَر.
يبحث عن إنسان يعشقه ولكن مهما جال وبحث أكثر لن يجد إلاّ القلّة.

الذي يوصي…
ليس إنساناً بسيطاً، بل إنسان طوى أعلى المقامات العلمية، ارتقى أرفع الدرجات العلمية، ذاق مرارة الأيام وحلاوتها، تعرّف على أجمل وأشدّ أنواع العشق، تذوّق من فاكهة شجرة لذات الحياة، قطف من ثمار شجرة الملذات الدنيوية، تمتّع بكلّ جميل ومحبوب.
وفي ذروة القدرة والتملّك ترك كلّ شيء، وفضّل حياة العذاب والعشق والشهادة من أجل هدفه المقدّس.

نعم يا محبوبي…
هذا النوع من البشر يوصيك.
وصيتي ليست حول المال والمنال، لأنّك تعلم بأنّني لا أملك شيئاً، وكل ما هو عندي يتعلق بك وبالحركة “حركة المحرومين وحركة أمل” والمؤسّسة “مؤسّسة جبل عامل المهنية”، وما وصل لي لم أستفد منه لاحتياجاتي الشخصية، ولم أكن أطلب إلاّ حياة الزاهد الدرويش، حتى زوجتي وأبنائي وأبي وأمي لم يصلهم منّي شيء، وما كلّ وجودي من رأسي حتى أخمص قدمَيّ إلاّ من أجلك ومن أجل الحركة، فما أملكه يتعلق بك.
وصيتي ليست حول القرض والدَين، فلست مديوناً لأحد، في حين أعطيت للآخرين قروضاً كثيرة، ولم أتعرّض بالإساءة لأحد، ولم يصدر منّي في حياتي إلاّ المحبة والتواضع والاحترام والتضحية، ومن هذه الناحية لست مديوناً لأحد.

نعم…
وصيتي ليست حول هذه الأمور…
وصيتي حول العشق والحياة والتكليف…
أشعر بأنّ شمس عمري قد وصلت إلى سقف حلقي، ولم يبق عندي فرصة للكتابة لك كثيراً.
وضعت روحي على كفّي وأنتظر لحظة وداع هذه الدنيا، ولن أراك بعد الآن.

أحبّك…
وهذه المحبة ليست من أنواع التجارة، فلست بحاجة لأحد في هذه الدنيا، حتى أنّني أشعر أحياناً بالاكتفاء عن طلب الحاجة إلى الله تعالى، فلا أطلب منه شيئاً ولا أتذمّر ولا أشتكي، وليس عندي أيّ أمنية.

أعشقك…
أعشقك لأنّك جدير بالعشق والمحبّة، وأعتبر عشقي لك جزءاً من عشقي لله تعالى، كما أعبد الله وأتفنّن في عشقه.
أعشقك بصفتك تمثّل الله، وهذا العشق بالنسبة لي هو مثل النَفَس والأوكسجين الطبيعي.

العشق هدف حياتي ومحرّكها، ولم أعرف شيئاً أجمل من العشق، ولا أرغب بشيء أغلى من العشق.
العشق يخلق الأمواج في روحي، ويدفع قلبي إلى الغليان.
العشق يكشف القوى الخفيّة والمكبوتة في نفسي، ويحرّرني من العُجُب والأنانية.

أشعر بأنّني في عالم آخر، وبأنّني أُمحى في عالم الوجود، فأكتشف مشاعري اللطيفة وقلبي المُرهَف وبصيرتي الرائعة.
إنّ رجفة الورقة، والنملة الصغيرة، ونور النجمة البعيدة، ونسيم السَحَر، وموج البحر، وغروب الشمس، كلّها تجذب وتخفق روحي ومشاعري، وتحلّق بي من هذه الدنيا إلى عالم آخر…
هذه كلّها وكلّها وكلّها من تجلّيات العشق…

من أجل العشق أضحّي.
من أجل العشق لا أهتمّ بالدنيا وأبحث عن عوالم أخرى.
من أجل العشق أرى جمال الحياة وأعبد الجمال.
من أجل العشق أرى الله وأعبده وأبذل له حياتي ووجودي.

أعرف بأنّني أحببت الكثيرين في هذه الدنيا، بل كنت أعشقهم، لكنّ معاملتهم لي في المقابل كانت سيئة، ووصفوا روحي العاشقة بالبسيطة، وبحسب تعبيرهم استغلوا بساطتي وتصرّفوا بذكاء، واستفادوا من محبتي وصدقي وإخلاصي.
لكنّ هؤلاء الجهلة…
لا يدركون من أيّ نعمة كبرى… من المحبة والعشق محرومون.
لا يدركون من أيّ أبعاد عظيمة للحياة محرومون.
لا يدركون بأنّ دهاءهم لن يعود عليهم إلاّ بالذلّ والسوء والخيبة.

أنا أدرك بأنّ شأني أجلّ من أن أبخل أو أحجب محبتي عن أيّ شخص، حتى ولو لم يدرك محبّتي أو حاول أن يستغلّني.
أنا أجلّ من أن أحب من أجل تحصيل مكسب ما، أو شكر أو مكافأة، أو أن أرغب بشيء إلى جانب العشق.
أنا أحترق في العشق وأتلذّذ في العشق، وهذه اللذة هي أعظم مكافأة لي يمكن أن أقبلها جواباً على عشقي.

أعرف أنّك أنت أيضاً يا محبوبي تسبح في بحر العشق، وتحب الناس وتعطف عليهم بصدق وبدون بُخل، وما أكثر الذين يستغلّون محبتك بسوء، وحتى أنّهم يسخرون منك ويظنّون بأنّهم يخدعوك…
أنت تعرفهم ولكنّ تصرّفاتهم لا تؤثّر على صفاتك وسلوكك قيد أنملة…
لأنّ مقامك أجلّ من أن تقع تحت تأثير الآخرين وتحجب عنهم عشقك ومحبّتك، لأنّ عشقك ومحبّتك فطرية مثل الشمس، تشعّ على الجميع، ومثل المطر تهطل على الأخضر واليابس، ولا تتأثّر بتصرّفات أصحاب القلوب المتحجّرة.

سلامي إلى روحك السامية التي تحرّرت من الآفاق الضيّقة والمظلمة والتشنّج والأنانية والعُجب.
سلامي إلى روحك السامية التي اتّخذت من عظمة السماء والأسماء الحسنى والمقدّسة لله تعالى مسرحاً لها.
إنّ عشقي المتوهج فداء عشقك…
يا أجمل وأعظم قدوة وعلَم في هذا الوجود.
يا أغلى إنسان جذبني إليه.
إنّ عشقك من أقدس الأعمال في الميزان الإلهي.
مصطفى شمران
20/6/1976
ترجمة: علي عبد الهادي جابر
لبنان، جبل عامل، النبطية، ميفدون.

عن kalamhorr

شاهد أيضاً

استشهاد الشهيد المجاهد جاد ياسين صوفان في سوريا

◼️ *بسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيم* ◼️ ” *مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ …

تعليق واحد

  1. علي شريف بزون

    الله يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بحق محمد وال محمد،،،الشهيد الدكتور مصطفى شمران ،شخصية فريدة استثنائية مهندسج متواضع احب الناس والجهاد من لبنان لايران،،،عمل وكان مستشارا للامام موسى الصدر وعمل معه لاسقاط نظام شاه ايران

اترك تعليقاً

WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
Open chat